الأحد، 17 فبراير 2013

بحرين تايمز: المحفوظ: لا تغتم علينا.. فأمورنا كلها مرسومة بقلم السماء




العلامة المهتدي: المحفوظ مبتسما رغم معاناته, ويتكئ على عكازه، أعطته مهابة القادة وشيبته ورائحة عطره وقلنسوته.. تذكرني بالعلماء الربانيين.

هكذا يتذكر سماحة العلامة المهتدي البحراني القائد الرسالي سماحة العلامة الشيخ محمد على المحفوظ، أحد أبرز قيادات الثورة ورموزها , ومن أبرز قيادات التيار الرسالي وأمين عام جمعية العمل الإسلامي من خلال مشاهداته وتجربته الشخصية في السجن مع سماحة الشيخ المحفوظ، وهذا نص ما خطّته أنامله الكريمة تحت عنوان:

(هكذا رأيته في السجن...)

عمره يتجاوز الخمس والخمسين طارقاً باب الستين، متوسط القامة ليس بنحيل ولا بسمين، مبتسماً رغم معاناته وآلامه، وبخطى راسخة واثقة كان يمشي ساعة الخروج من زنزانته الضيقة رغم معاناته في المشي، لكنه يتكئ على عكازه، أعطته مهابة القادة، كانت شيبته ورائحة عطره الذي أوصل إليه في السجن وقلنسوته التي خاطها له أحد السجناء القدماء تذكّرني بالعلماء الربّانيين السابقين وهو منهم، لم يكن ليعرف اليأس والاستسلام، تجد الحلم والسماحة في شخصيته الرزينة، فلا تجده يغضب من أحد، إلا على الظالمين بمختلف مقاساتهم، أما المظلومين ممن في السجن معه حتى وإن اختلفوا معه في الدين أو المذهب أو التوجّه السياسي أو درجة الالتزام الديني فلم يكن يغضب عليهم بأية حال، كيف وهو ملاذهم، و معلّمهم وملهمهم، فكانوا يرجعون إليه في كل سؤال فقهي أو تاريخي أو أخلاقي أو عقائدي أو تحليل سياسي، يذهب إليه السجناء ليسلّموا عليه ويوقّروه ويقبّلوا جبهته ويسألوا عن صحته أو آخر ما لديه من أخبار اجتمعتْ لديه، فيحلّلها لهم ويفكّك محكماتها عن متشابهاتها، وفي الفرص المتاحة لصلاة الجماعة كان السجناء يتسابقون إلى الصف الأول للصلاة خلفه، وكان حينما يصلي بخشوعه المتميز يذكّرهم بالخاشعين، يبكي عندما يصل إلى بعض الآيات وتخنقه العبرة عند التأمّل في بعضها الآخر، كان في قنوته يقرأ من الأدعية والمناجاة المأثورة عن النبي الأكرم وأهل بيته (عليه وعليهم السلام) مقاطع طويلة غير مملّة، وفي كل مرّة يقرأ مقطعاً جديداً مما ينبؤك عن حفظه لكثير منها، وخاصة دعاء عرفة للإمام الحسين (ع) وما في الصحيفة السجادية من أدعية بها مضامين عرفانية لأئمة أهل البيت عليهم السلام، كان يحدّث المصلين بين الصلاتين وفي خطبة الجمعة بأحاديث دينية تربوية تاريخية أخلاقية وعقائدية مشبّعة بالآيات القرآنية والروايات والقصص والأمثلة والشعر وبعض الفكاهيات وطرائف الحِكَم وكذلك المعلومات الحديثة والسياسية، وخطبه السلسة والواضحة كانت مفعمة بالروح الولائية العالية التي لا تخالطها المساومة على ثوابت أهل البيت (ع)، وكان حين نعيه أو استماعه للنعي الحسيني تنهمر دموعه بشدة، وإذا وقف السجناء في حلقة اللطم والعزاء كان يقف كأحدهم يلطم على صدره بقلب ممتلئ الحبّ للحسين(ع) والحزن على مصائبه الفجيعة، كان رغم قربي له بل وسؤالي منه لا يشكو لي آلامه الشخصية، ولا ماذا جرى عليه في التعذيب وكيف أذاقوه في سرداب القلعة من أوجاع التنكيل، حاولت معه ذات مرّة وأنا أسرد له بعض ما مورس ضدّي من أنواع الضرب والتوقيف على الأقدام لخمسة أيام بلياليها مثلاً كتمهيد لسؤالي الصريح له فينزل رأسه ويصمت أو يقول: (أنا مثل غيري من آلاف المعتقلين)...

عرفته رجلاً مخلصاً ومضحِّياً وشجاعاً وخلوقاً ومستعدّاً لكل التضحيات في سبيل مبادئه ومبدئيته.. عرفته عالماً واعياً وخطيباً حسينياً وسياسياً بارعاً.. عرفته متواضعاً وإلى أبعد الحدود شعبياً ترابياً غير متبختر ولا متفاخر...

هكذا رأيته منذ فتح الجلاّدون عيوننا لأول مرّة في القضاء العسكري، حيث عرفنا مجموعتنا التي عُرفتْ بكوادر جمعية العمل الاسلامي (أمل)، مع العلم أني شخصياً لم أكن عضواً في مجلس الإدارة لهذه الجمعية الصامدة في نهجها الرسالي بفضل أمينها العام وبقية العاملين معه (حفظهم الله ).

نعم.. ذلك هو أخي العزيز سماحة العلامة المجاهد الشيخ محمد علي المحفوظ (فرّج الله عنه وعن السجناء جميعاً)، ولقد كنت معه في سرداب القلعة (٢٥) يوماً ولم نعرف عن بعضنا، وفي سجن الحوض الجاف صرنا معاً لمدة (٣) أشهر تقريباً، ثم نقلونا إلى سجن (جو) المركزي، وكنا نلتقي يومياً لمدة (17) شهراً، فلم أر منه إلا مثالاً للتقوى والأخلاق والصبر وبعث الأمل في النفوس والنظرة البعيدة للأمور... ولمّا فوجئت بخبر الإفراج عني وأنا جالس خلفه في صلاة الجماعة لفريضتي الظهر والعصر وجدت أن ألم الفراق يحيطني، فكيف لي أن أخرج من السجن القاسي وسماحة الشيخ المحفوظ في غياهبه وهو أوْلى مني بالخروج، ولو بالنظر إلى صحته، فقام بعد السلام يعانقني ويبارك لي، فلم أقوَ على جوابه وقد خنقتني العبرة هنالك حتى عصرني بصدره وقال:"لا تغتم علينا يا شيخنا، فأمورنا كلها مرسومة بقلم السماء، فكل ما يجري من ظلم بنا ومن حولنا فهو بعين الله، مَن يخرج مِن السجن ومَن يبقى ذلك مما كتبه الله في قضائه وقدره، إن الله يختبر كل إنسان في كل موقع يضعه فيه، فنحن والذين خارج السجن في امتحان، كما الحاكم الظالم وحاشيته وهؤلاء الشرطة في امتحان..

وختاماً لهذا المقال الذي جاء متأخراً لسوء صحتي ومتابعاتي العلاجية:

أقول لشيخ المظلومين الشيخ المحفوظ الصابر الأمين: دمتَ يا شيخنا الجليل في صحة ونشاط وفي حال أحسن مما أنت عليه في السجن، فأنت في القلب، ومكانك الطبيعي هو بين أهلك وأحبتك من الجمهور الوفيّ لرجاله الأوفياء... ولكن لا نقول في محننا المكتوبة علينا غير (الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه).. وفقنا الله وإياك لخدمة الإسلام والمسلمين ونصرة الحق والمستضعفين، وكتب لنا ولك عاقبة المتقين بجاه النبي محمد وآله الطاهرين.

ولا أنسى هنا في نهاية مقالي السريع عنك يا شيخنا الحبيب ما كنتَ تردّده في نهاية كل صلاة بعد السلام والتكبيرات الثلاثة: اللهم عجّل لوليّك الفرج والعن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له...

تمّتْ كتابة هذه السطور بعد صلاة فجر يوم الأثنين (١/ ربيع الثاني / ١٤٣٤)

(٢٠١٣/٢/١١)

البحرين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق