الاثنين، 7 يناير 2013

زمزم الدمعة - بقلم ليث البحرين





الدمعة .. هي إحدى أجمل وسائل التعبير عن مشاعر البشر، فهي أبسط تعبير عن الغضب وأحلى تعبير عن الفرح في آنٍ واحد، فالدمعة تزيل الهم عن القلب المكلوم حينما يكون مُثقلاً بالجراحات والآلام، وهي أجمل تعابير الحب والإشتياق حين الوداع وحين اللقاء.

ولطالما بكينا على عزيزٍ فقدناه أو حلمٍ جميلٍ خسرناه، فمنذ نعومة أظفارنا نبكي شوقاً لحضن أمنا الحنون، ونترعرع والدموع تصاحبنا في كل جرح وفي كل فرح وفي كل موضوع به تتهيج المشاعر لتكون الدمعات هي التعبير الأصدق عما يختلج قلوبنا ويعتصرها من أحاسيس مرهفة.

وللدموع درجاتها ومكانتها، فما هطل منها لسبب شخصي بحت لا يُقارن لما نزل منها خشية ً من الله سبحانه وتعالى، فلا تقارن دموع آلام الانسانية بدموع العاشقين لربهم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً من ناره وطمعاً في جنته ونعيمه الدائم، ولا تتساوى دموع الشوق لحج بيت الله وزيارة رسوله وأوليائه الصالحين بدموع الشوق للحبيب والحبيبة.

وبما إن أعظم الدموع هي التي تنزل في حب الله ورسوله فإن أروعها والتي تتجلى فيها كل معاني الإخلاص لله هي الدموع التي تنهمر في حب الحسين، فبها يتوب القلب ويرجع طاهراً نقياً لخالق الكون كيف لا والحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.

فالدمعة النازلة في حب الحسين تلخص روعة العشق الإلهي فهي تحفر فوق تقاسيم الوجه وفي أعماق الروح كل معاني الفداء والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل رفعة الدين وحرية الانسان، وبها تم حفظ خط الثورة الحسينية المحمدية من الضياع بل قد خلدت ثورة كربلاء بسيل الدموع الهادر الذي حافظ على الروح الأبية في قلوب الثائرين.

لقد علمتنا كربلاء من طوفان دموعها أن نصبر رغم الجراح، كيف لا وأطفال الحسين كادت أرواحهم تزهق وهم يسمعون عظام والدهم تتكسر تحت حوافر خيول بني أمية، لكنهم صبروا رغم غياب المحامي والكفيل وإلتفوا حول عمتهم التي غمرتهم حناناً وعطفاً وصبراً لا مثيل لرونقه.

علمتنا كربلاء أن نحول الدموع الناجمة عن التعذيب النفسي والجسدي لطاقة غضب وصبر وثبات نزلزل بها عروش المتجبرين، ألم تصنع دموع زينب معجزات ثباتها في وجه يزيد وهي تخاطبه بحديث المنتصر، قالتها بعالي الصوت وهي الكسيرة المجروحة التي ترى ثغر الحسين يلهو به عدوها ويكسر أسنانه أمامها ويضع الخمر فوق رأسه، قالت ويالروعة مقالة ابنة الزهراء (كد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لن تمحو ذكرنا)، ولقد خلدكم الله يا زينب حتى باتت زيارة الأربعين هي أعظم وأضخم تجمع في تاريخ البشرية بما يناهز العشرين مليون زائر يجتمعون على الصعيد الطاهر الذي شهد قتل آل رسول الله وسبي حرمه.

علمتنا دموع أسارى كربلاء أن نكسر القيود وأن لا نهاب الموت في سبيل مبادئنا وديننا وعزتنا، فدموع السجاد قهرت سياط جلاديه الذين لم ينفعهم تعذيبه وتركيب جامعة الحديد حول عنقه وصدره، فما برحوا التهديد بقتله حتى أخرسهم بمقولته الخالدة (إن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة).

إلهي وكم من الدموع نزفت أرواحنا في كربلائنا على جثث قتلانا، إلهي أما دمعت عيون قاتل أحمد فرحان وهو يرى جمجمته تناثرت على الثرى، ألم تهتز مشاعر من يصلون الصلوات الخمس ويدعون الإسلام لجسد الشهيد يوسف موالي الذي قضى تحت التعذيب الوحشي وتم رمي جثته على شاطيء البحر، فأي صلاة هذه التي لا تنهى عن فحشاء التعذيب ومنكر الركون للظالمين.

إلهي وكم بالبحرين من أمٍ نزفت دموعها تبكي فلذة كبدها المغيب عنها في قعر السجون أو تحت أطباق الثرى، لا تعلم كيف يعذبونه وعلى أي صفيح ساخن يجلسوه وكيف بالكهرباء يصعقوه، إلهي كيف بزوجته وعياله، بل كيف بعائلة الأسيرة بزوجها وعيالها وأحبتها، كيف تقضي وقتها وكيف تتعذب بل وكيف يهددونها بعرضها وشرفها في أبشع جرائم نظام آل خليفة ولا من ناصرٍ لها.

وأما أصدق الدموع فهي التي تحول لحظات ألمها لمصدر إشعاع يلهم الآخرين، هي دموع من تعذبوا حتى الموت بدهاليز السجون، هي دموع الذين يعلقون كالذبائح وبجلدون بالسياط وتقتلع أظافرهم وينزفون أشلاءهم وأرواحهم من أجل الحرية، أولئك هم الصادقون الصادقون، المنتصرون على من يعذبهم بدموعهم وصبرهم، وهي كذلك دموع من فقدوا بصرهم أو إحدى حواسهم وما برحوا الساحات، هي دموع المصاب البطل عقيل عبد المحسن وأقرانه الذين علمونا معنى الثبات رغم الألم.

فسلامٌ عليكم يا أصحاب القلوب الطاهرة والبصيرة الثاقبة، السلام عليكم يا من عبرتم بدموعكم من عالم الفناء لعالم الملكوت، السلام عليكم يا أصحاب الدمعة الزاكية، السلام عليكم يا من جعلتم من دموعكم زمزماً لتسقون به عطاشى الحرية، فهنيئاً لكم ثباتكم وهنيئاً لكم خلودكم والصمود.

ليث البحرين
٧-١-٢٠١٣



هناك تعليقان (2):

  1. مقال جميل ويستحق الفراءة والتأني سلمة أناملك الكريمة

    ردحذف
  2. اسمح لنا بنقل المقال الى موقع كتابات في الميزان
    http://kitabat.info/subject.php?id=26275

    وفقكم الله

    ردحذف